عين القضاة

69

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( السماع رسول غالب ، وللرسوم جاذب سالب جاء ، يزعج ما خفي ، ولا يرى له أثر ، ويظهر خفيّات أسرار المقصود ، ولا يظهر من ذاته غير علم ) . أقول : جاء اسم فاعل من جاء يجيء ، وهو مرفوع صفة رسول بعد الصفات الثلاث ، ويزعج صفته ، وما خفى مفعول يزعج ، و ( ما ) موصولة وصلتها جملة ( خفي ولا يرى له أثر ) ، وفاعل لا يظهر ضمير يرجع إلى المرجوع لضمير يظهر ، وهو الرسول ، وكذا الضمير في ذاته . أي السماع رسول من اللّه سبحانه إلى المستمع ، يدعوه إلى حضرته ، ويغلب على موانعه من تعلّقات الرسوم البشريّة ، فيجذبها ويسلبها عنه ، وهذا الرسول يجيء العبد فيزعج ؛ أي يحرّك ما في سرّه ، ويظهر ما خفي من المحبّة والشوق إلى اللّه تبارك وتعالى ، الذي هو المقصود الأعلى ، ولا يظهر من ذاته إلّا العلم بوجوده . وقال : ( السماع من ثلاثة أوجه : سماع للطبع ، وسماع للروح ، وسماع للقلب ، فسماع الطبع يحنّ إلى الدنيا وزهرتها والمعاصي ، وسماع الروح يحنّ إلى الآخرة ونعيمها وحياتها ، وسماع القلب يحنّ إلى تلف النفوس ، وطلب الحقيقة ) . أقول : الطبع والطبيعة قوّة جبليّة في الجسم لا تفارقه ؛ كالحرارة في النار ، والرطوبة في الماء ، وقد يحدث من تركيب الطبائع البسيطة طبيعة مركّبة منها ، كلّما تساوت نسبتها إليها كانت موزونة ، وتسمّى هذه المساواة اعتدال المزاج ، فمهما سمع العبد إيقاعا موزونا بطبع موزون ، حدث من تطابق الموزونين وحسن المتناسبين فيه هزّة ، ونشاط إلى كلّ ما فيه حسن المناسبة من المناسبة ، من زينة الدنيا وزهرتها ، وزيّن له شهواتها وزخارفها الموقعة في المعاصي . فهذا سماع الطبع الذي يحنّ ، أي يشوّق إلى الدنيا وزهرتها ، ويجرّ إلى المعاصي . والروح سرّ ملكي ، يتغذّى بالعلم ، وينمو به . والقلب لطيفة ربّانية ، يخرج من بين الروح والنفس المكوّنة من الروح أيضا ؛ كخروج شيث من آدم عليه السّلام ، وحوّاء المكوّنة من آدم عليه السّلام .